عزيزي وحبيبي ديڤو
لقد قرأت رسالتك الأخيرة عدة مرات، إستمعتها عدةٍ أخرى، شعرت بشعورك وأدرك منظورك للحياة جيداً، لطالما رأيت شيئاً مني بك، حتى في رسالتك الاخيرة. لم اترك لك اي تعليق على حساباتك وفيديوهاتك، فقط كنت أستمع لأحاديثك الرائعة، اكتسبت منك المعرفة، ووجدت فيك الإنسانية التي لم ألتمسها ببشر غيرك، تعلمت الكثير منك، واختلفت معك قليلاً. رغبتك في إطفاء دماغك مبررة ومفهومة ولا يمنعني عن فعل مثلها الا نصيحتك في السطر الأخير، ولن أخيب ظنك، كما خيّبت ظنونك الحياة، قد أكون سعيدا لحصولك على مُرادك بالخلاص من غياهب الوجود، لكني حزين جداً على فقدك، ربما هذه رغبة أنانية لدي لكن أرجو ان تكون مُتفهم لموقفي، وحزينٌ على حزنك بأنك لن تشاركنا افكارك ونظرياتك الفلسفية التي كانت حصيلة تعب سنين، لكن كل هذا ليس له قيمة الآن. لطالما كنت لا أجيد التعبير عن مشاعري وما هذا الا محاولة عابثة لتبيان مكانتك لديّ وحُزني عليك رغم انك لم تعد موجوداً ولن يصلك شيء، لكن نحن بشر ياسيدي، عواطفنا طاغية - خاصتاً انا - أدّعي العقلانية وكل من يتحدث معي يرى عاطفتي عليك وعلى حبيبتي سوريا، لو تعلم كم أحسدك على هذا الخلاص، المشاعر كثيرة ومتخبطة ولا جدوى.
«رَحلتَ عَن عالمِنا المُلوّث أيّها النَقيّ»🪴
مُحبّك المُخلص - مَجد
16 إبريل 2025. بعد يومين من قراءة الرسالة
قضيت ساعات في تفريغ هذا النص من بث حسن البدري على يوتيوب، ليكون النص متاح وموثق، حاولت تنظيمه وتحسينه مضطراً على ذلك، لكن بدون حذف أجزاء جوهرية نظراً للقراءة العربية الركيكة من الاستاذ حسن وأيضاً أتقدم بالشكر له لعدم جعل حديث ديڤيد يضيع في سُدم الصمت.
أقل مايمكن أن افعله لديڤو
ملاحظة إضافية : يوجد نسختان للرسالة، الاصلية قد كتبت باللغة الانجليزية والنص العربي موضوعه كما ذكرت أعلاه، اما النسخة الانجليزية في الأسفل فهي النسخة الأصلية بعدما بحثت عنها في دهاليز الانترنت، شكراً لكم
"أنا سوف أفصل دماغي"
رسالة انتحار من ديفيد رجل الكهف
7 أكتوبر 2020. قبل الإنتحار بـ 1 سنة و 5 أشهر و 10 أيامالسعادة كانت دائمًا أمرًا غامضًا منذ أن كنت طفلًا. اعتقدت أنها شيء يمكن إيجاده أو البحث عنه. عندما نضجت، في الصف السادس، كنت مثل الأطفال الطويلين، لكنني لم أكن سعيدًا. على العكس، هاجمني أولئك الأطفال الطوال، رموا عليّ الأحجار والبيض والطماطم، وكانت خطيئتي أنني كنت طالبًا شاطرًا ومفضلًا لدى المعلمة. بحثت عن ملجأ في صيدلية مبعثرة، حيث أدركت فشلي في إيجاد السعادة. اتضح أن السعادة ليست خليطًا من دم وبيض وطماطم. طمأنت نفسي بأنني سأجد السعادة في الثانوية، لكنني خدعت نفسي لسنوات أخرى حتى علمت أن السعادة ليست مرتبطة بالدراسة. لم تكن النتيجة مفاجئة: لست معجبًا بالمدرسة. اقتنعت بأن عشرينياتي ستكون الفارس الأبيض على سيارة تشارجر بيضاء.
منذ ذلك الحين، بحثت عن السعادة حرفيًا من خط الاستواء إلى القطب. زرت غابات، أدغال، جبال، صحارى، جزر. حفرت في الصحراء وفي ثلج القطب الشمالي. عشت في عواصم مزدحمة وأرياف هادئة، في مدن غنية وأحياء فقيرة. لم أجد شيئًا. سافرت جوًا وبرًا وبحرًا: قطارات، طائرات، سفن، دراجات، باصات، سيارات. مشيت مسافات طويلة. لا شيء. من الصعب أن أعد الأماكن التي عشت فيها منذ سن العشرين، الأديان التي شاركتها فراشي، الجنسيات التي شاركتها الطاولة، الأعمال والممارسات التي جربتها. رغم كل ذلك، وجدت لا شيء. لهذا وصلت بعد تحقق وتفكر طويل ,انه ليس من الحكمة البحث عن السعادة وحيدا.
في أحد الأيام، بينما كنت أتحدث مع زميل في مطبخ الشركة، خطرت لي فكرة أنه من المستحيل أن أعرف كل شيء عن العالم أو أجرب كل شيء بنفسي. أنا مجرد لا شيء ضائع في لا شيء عملاق حولي. للحظة قصيرة، أدركت أنه رغم كل هذه التفاهات، لا شيء يعرف لا شيء. خرجت من المطبخ بآمال كبيرة بأن ألتحق بحوض معرفة البشرية، ظننت أن السعادة قد تكون هناك. حاولت إيجاد حيلة أو شفرة مخفية. قرأت آلاف الكتب، الدراسات، المقالات. أمضيت ساعات لا تُعد في نقاشات مع أناس لم أرهم واقعيًا. جعل ذلك بحثي أكثر دقة وإرهاقًا واستهلاكًا للوقت. وجدت المعرفة في الكتب، تعلمت كيف تكون الحياة مميزة وممتعة، لكن سرعان ما أدركت كم هو محزن ومثير للشفقة أن أعرف قوانين اللعبة والعبها بمهارة، لكنني لا أستطيع لعبها أصلًا.
كنت أعتقد أن المعرفة جيدة بطبيعتها، لكنني كنت مخطئًا. القراءة جعلتني مهووسًا بالحياة فقط. اقسمت أن أتعلم كل الحيل التي تجعلني أحس وأدرك، بل ذهبت إلى ما هو أبعد: خلق شيء خاص بي. لكن شيئًا ما لا يعمل. هناك مفتاح متصدئ، كاشف معطل، أو ربما كلاهما.
أنا الرجل الغارق الذي يحاول البقاء على قيد الحياة لسنوات. رأيت مبنى سينت مغيار في الأفق، والأمواج حولي تحتي وفوقي وحتى داخلي. حاولت السباحة بكل قوتي للوصول إلى الشاطئ، لكن خيول بوسيدون ظلت ترفسني برفساتها الإلهية على رأسي، دمرت خلايا دماغي، جعلتني أكثر جنونًا وفقدت زعانفي. حاولت لسنوات امتطاء إحدى هذه الخيول للوصول إلى "نجمة البحر"، لكنني فشلت. سألتها: "يا صغيرتي، هل أفعل شيئًا خاطئًا؟ لماذا لا تتوقف خيول بوسيدون عن ركلي؟" أجابتني بهدوء وحكمة: "بعض الناس محكوم عليهم ألا يكونوا سعداء يا ديفيد."
هي محقة، رغم أنها لا تعلم ذلك. لكنها لم تحدد إن كنت أحد هؤلاء. لم أكرر السؤال لئلا أوقظ طفلها، نصف إله ونصف إنسان. ثم ظهرت ماري المجدلية وقالت بعد أربع سنوات من الشجاعة: "أنت ثنائي القطب يا ديفيد." كان صعبًا ومريرًا. توسلت إليها: "مريم، أرسلي لي قاربًا." ردت باكية: "القديسة ماري ليس لديها قوارب للناس الحقيقيين." تساءلت: "أتعلمين أنني لست حقيقيًا؟" أجابت: "يا سيدي، أنت مريض عقليًا." لم أجب، فقط بكيت. لم ترَ دموعي، فقط الأمواج التي كانت دموعي. أنا لست مريضًا عقليًا، أنا مجرد نسخة من لحم ودم مع ثلاثة اضطرابات شخصية، إحداها قوية جدًا، وبعض الرهابات الغبية مثل رهاب السمنة وعدم الكمال، محاولة تهدئة ثنائي القطب، فقر دم، أرق مزمن، وغيرها. كل هذا شكّل "ديفيد رجل الكهف".
أنا من يأكل بشراهة لأيام، ثم يصوم على الماء لأسابيع. أظل مستلقيًا لأسابيع دون نوم، ألقي محاضرات لساعات، وأهرب من مسارح أخرى خوفًا من نوبات هلع. ساعدت الناس على عدم الانتحار، والآن أخطط لانتحاري. أنا الكوميدي الكئيب، طبيب النفس المنتحر، الفيلسوف المرهق، الطالب المعلم، المريض الدكتور، المتخلف العبقري، الجاهل العالم، الكاتب والقارئ، الموسيقار الأصم، الأخرس الثرثار، الرسام الأعمى، الفنان المشلول، رجل الكهف المتحضر. أنا توين ودوستويفسكي، راسل ونيتشه، داروين وروسو، شوبان وزابا، رافاييل وبولوك، سقراط والخنزير. أنا هنا وهناك، في لا مكان، أنا لا أحد، لست أنا، لأنه لا يوجد "أنا". يوجد فقط إدراك، أعي ذاتي التي خرجت من مخاض ذروة جنسية، أو ربما ذروتين لأبي وأمي.
قضيت أكثر من مليار ثانية أحاول فهم "What The Fuck is going on" الآن أعرف "شو هالخرا" الذي يحدث حولي، وأعلم ما يجب فعله. سأفعل ما كنت أحلم به، ما كان يجب فعله منذ زمن طويل: سأفصل دماغي. دماغي لا إصلاح له. قضيت 34 عامًا أحاول إيقاف هذه الآلية المدمرة داخلي. لم أعش الحياة، عشت الموت، اختبرت انهيار دماغي ببطء وبألم. لا أستطيع القول إنها كانت رحلة ممتعة. تدخين المتعة لا يساوي الألم الذي دفعته. إنها تجارة فاشلة، وأنا تاجر غبي. أليس من الأفضل إغلاق المحل الذي لم أبنيه، واللعبة التي لم أرد لعبها؟. انا بالفعل افضل انني لم آتي الى العالم, لهذا الوجود, لكن رغم ذلك حاولت بشتى الطرق ان استمتع بهذه الرحلة, بكل اسف اقول انا فشلت
أتمنى لو أعود بالزمن لأخبر ذلك الطفل المكتئب أنه لن يكون لاعبًا بارعًا، أن لا شيء سيجعله ينجح، أن وجعه و حزنه ووحدته ستنمو، لكنه لن ينمو. تعلم أن المعرفة، الحرية، الأديان، القيادة، الزواج، الأبوة، الطلاق، الدراسة، العمل، السفر، الجنس، النقود، المخدرات، الدرجات الأكاديمية، الشهرة، كتابة الكتب، العزف، التحدث بلغات، العيش ببساطة أو بترف، كلها سراب. حتى يسوع لا يستطيع تحويل السراب إلى ماء.
أرى ذلك الطفل على أريكة جدته، يعاني من صداع نصفي ويحلم. كم أتمنى أن أخبره أن لا طبيب سيداوي صداعه، ولا الأوراق الخضراء ذات الرائحة الكريهة التي كانت خالته تضعها، ولا رائحة السيان التي كتبها والداه، ولا الجمل السخيفة التي حاول حفظها، ولا الكتاب الذي اشتراه بنفسه سيصل إلى أسفل جمجمته. أريد أن أقول له: أنت تعاني من أمراض عقلية عديدة، عقلك لا يرى السعادة. أريد تحذيره أن الأعمى سيؤذي نفسه والآخرين إذا ركض في شوارع مضيئة.
أرى الشاب الصغير جالسًا على مكتبه، يعد الأيام على تقويمه لتخطيط انتحاره. أريد أن أقول له: أحلامك مجرد أوهام. لن تعيش سعيدًا، لأن سعادتك موجودة أو غير موجودة بين جدران جمجمتك، مثل كل المشاعر التي تستطيع الشعور بها. أرى الرجل البالغ على فراشه الأسود الكبير، حزينًا، بائسًا، وحيدًا، لا يستطيع الحلم. يتمنى أن يقول لي يومًا: "ستكون ذكيًا يومًا بحضوري هنا." هو غاضب لأنه يعلم ما أعلم: عدم الوجود أفضل من الوجود.
يا لسخرية الأقدار، أعيش حياتي مكتئبًا وانهيها بجنون. لم أظن أنني سأنهي حياتي بالانتحار بهذه الظروف وفي هذا الوقت. أنا خائب الأمل. عشت حياتي أحاول عدم إنهائها. جربت كل شيء، لكن كل ذلك ذهب سدى. لا أقول إن محاولاتي أو دخولي المستشفيات كانت ممتعة، لكن أريد توضيح شيء: لن أفصل دماغي بسبب فراغ روحي أو سخافات مشابهة. الإلحاد، المنفعة، البحث عن الملذات، النباتية، العدمية الإيجابية، اللا إنجابية، المنفعية السعيدة، لم تعطني سببًا لإنهاء حياتي. بل ربما فقدان إحداها قد يدفعك للانتحار.
كل أحداث حياتي، وضعي المادي الذي يزداد سوءًا، دماغي المنهار بدلاً من الشفاء، حياتي وصلت إلى نقطة دمار لا رجعة عنها. سلسلة الأحداث لم تمنحني فرصة للشفاء. تأثير سقوط الدومينو بدأ يتسارع. هذا العام، رأيت النور في نهاية النفق، حرارة المصباح، والتصادم حتمي. كمية الأذى التي لحقت بعقلي، خاصة مؤخرًا، قاسية جدًا. لا أرى هدفًا للبقاء، لأن الشخص الذي سيستمر ليس أنا. لا أريد التعرف عليه، ولا أحبه. لماذا؟ لأنه ليس سعيدًا ولن يكون كذلك.
من الناحية الأخلاقية، أرى أنه من غير الأخلاقي أن أجعل هذا الإنسان يعيش هذا الجبر مع كل المعطيات بين يدي. أنا الوحيد الذي يرى الصورة كاملة. الناس يعرفون أجزاء مختلفة من حياتي، لكن لا أحد يعرف كل شيء. ربما السلطات، بعد تحقيق طويل، ستقترب من الحقيقة، لكنها ستعرف فقط كيف أنهيت حياتي، ولن أكون موجودًا لتأكيد ذلك. تذكروا: الحصول على المعلومات شيء، وترجمتها شيء آخر. من السهل أن تمسك بمعلومات وتقول: "لو كنت ديفيد، لفعلت هذا أو ذاك." لحسن حظك، لست تملك عقلي، لا ترى الواقع كما أراه، لست في حذائي، لا ترتدي نظارتي، لا تشعر بما أشعر، لم تمر بما مررت به، لن تعرف ما عرفت. أنت لست أنا، ولن تكون أنا. فاخرس يا ابن الشرموطة وارفع كأسك. لست سعيدًا برفع الكأس لك، ولا حزينًا لعدم مشاركتك في صحتك. أنا حزين فقط لأن الكثيرين أحبوني، لكنني لم أحب نفسي. الكثيرون يعتقدون أنني ذكي، لكنني أعلم كم أنا غبي. عقلي يصنع وسائل مفيدة وسلبية، لكنه يرفض صنع شيء مفيد لي أو التوقف عن صنع السلبيات. حسّنت حياة الكثيرين، لكنني حطمت حياتي. صنعت لاعبين ناجحين، لكنني لم أجد الكرة. دعمت عائلات، لكنني فشلت في بناء عائلتي. ساعدت الناس مجانًا، لكنني فشلت في مساعدة نفسي رغم الأموال التي أنفقتها. أنقذت حيوات، لكنني لم أنقذ حياتي. هذا محزن. أنا حزين لأني لن أشارك أفكاري ونظرياتي الفلسفية، عملي الشاق لسنوات. إذا كان الحزن يعني شيئًا، فهذا هو الحزن بعينه. لدي آمال كبيرة، لكنني الآن خائب الأمل بشكل كبير. أنا لست حزينًا، أنا خائب. هذا هو الوصف الصحيح، وهذا ما يجعله محزنًا.
أولئك الذين بلا أدب أو أخلاق يحللون الانتحار، يقولون إنه ضعف، أو حل دائم لمشكلة مؤقتة، أو خطيئة كبرى، أو سلوك لا أخلاقي أو أناني. سأقول لكم ما هو الانتحار: الانتحار هو "fuck you". إذا كان هناك سلوك لا أخلاقي أو أناني، فهو إنجاب حياة لهذا الوجود. هذه هي الخطيئة الكبرى. توقف عن خلق حياة مليئة بالألم بسبب أنانيتك المؤقتة، ثم تدافع عن ذلك بسخف وقلة احترام.
أول شعور أحسسته عندما أدركت وجودي هو الاختناق. الحياة تخنق الأرواح الحرة. أصبحت عبدًا لوجودي. الوجود عبودية. لهذا يبكي الأطفال حديثو الولادة. بكيت، وعشت حياتي باكيًا لأنني مختنق. لست عبدًا، لكن وعيي بالعبودية يجعلني عبدًا. لا أعلم كيف وصلت إلى هذا الوعي. أحيانًا أتمنى لو لم أصل إليه، لكنه خارج عن يدي. أنا ضحية بريئة. مللت من الآخرين يقررون عني: ما أتعلمه، ما أترجم، ما أقرأه، ما أدخنه، ما أشمه، ما أشربه، أين أبقى، أين أسافر، أين أنام، مع من أنام، أي مخدرات أتناول، متى أستيقظ، ماذا أفعل بوقتي. أنا غاضب من هذا التحكم الأبوي، مشمئز من الذين يهندسون أفكاري وقراراتي. إذا لم ترَ هذا عبودية، فأنت موهوم بمفهوم العبودية. إذا كنت تعتقد أنك حر، فاكتب مفهوما جديدًا عن الحرية. أنت مخدوع بأسطورة الإرادة الحرة. لا إرادة حرة، أنت مجرد روبوت بيولوجي، والأكثر إثارة للشفقة أنك مبرمج لتشعر بالعكس. العلم يتحدث: أنت حر بشيء واحد فقط، وهو لا شيء.
حاولوا أن يقودوني بعض الأغبياء، لكن طفح الكيل. لا أستطيع قبول هذه السياسات البدائية، الاقتصاد الجشع، القرارات السياسية الغبية. أنا وعي يدرك استعباده بوجوده ومحاولته للحرية. بالنسبة لي، الحرية تتطلب السعادة. كل ممارساتي وأنشطتي كانت للوصول إلى الحرية. كل إنجاز في حياتي هو منتج ثانوي لسعيي للحرية. أي تغيير في حياتك هو نتيجة بحثي عن حريتي. حررت نفسي من الإله، الدين، الحكومة، الدولة، العائلة، النقود، الملابس، الشهوة، رغباتي الجنسية، ودخان التبغ. حررت نفسي من اسمي الذي ربطني بأناس. اخترعت اسمًا لي: ديفيد رجل الكهف، إنسان متصل بالبشرية من العصر الحجري إلى الآن. أعتقد أنني وصلت إلى النقطة التي سأحرر نفسي من هذه اللعبة.
حريتي تآكلت كثيرًا مؤخرًا، وهذا التأثير سيستمر لسنوات. هذه ليست الحياة التي يرضى بها الإنسان الحر. لم أقاتل طوال حياتي لأصل إلى هذه النقطة. عش حرًا أو مت. الآن حريتي تحطمت، لن أشم الحرية لسنوات. لذا يجب أن أموت. هذا يرسم ابتسامة على وجهي، لأنني لن أندم، خاصة مع وسواسي القهري. أعلم أنني لن أندم بعد الانتحار. أليس هذا مثيرًا؟ لن أشتاق لأحد، أسف لقولي ذلك, وهل تعلمون لماذا ؟ لأنني لن أكون موجودًا لأشتاق. لم أكتب هنا لليالٍ، لكن الليلة، في فراشي لساعات، عقلي يرفض التوقف.
جرعة كبيرة من المنومات لم تفعل شيئًا. هذه معاناتي مع الأرق المزمن. أمضي ساعات على الفراش، وعندما أنام، عقلي يدور أسرع داخل جمجمتي، أفكر بكل شيء، وعندما أستيقظ، لا أتذكر شيئًا. هذا مؤسف، لأن معظمها أمور جوهرية. أنا معتاد على البقاء مستيقظًا ليالٍ عديدة. أعلم أن هذا غير صحي، لكن لا شيء صحي في هذه الحياة. لأكثر من عقد، أنام عبر هلوساتي: أضع رصاصة في رأسي، وعندما أسحب الزناد الخيالي، يتوقف عقلي عن الدوران، وأنام بسلام. لم أمسك سلاحًا ناريًا سوى مرة في المدرسة، لكن قررت امتلاك مسدس معين. فكرت بالرصاصة لساعات وسنوات. تخيل أن عقلك يدور كل ليلة دون راحة، مع أفكار قهرية وهلوسات. الرصاصة التي ستخترق رأسي هي الوحيدة التي ستوقف هذا الدوران.
أنا إنسان ليلي. كنت معجبًا بالليالي منذ الطفولة. أتذكر الليلة الأولى التي سمحوا لي بالبقاء مستيقظًا حتى منتصف الليل. كنت متحمسًا، أراقب الساعة. عندما وصلت الأذرع إلى الثانية عشرة، لم يتغير اليوم إلا بعد دقائق. ذهبت إلى الفراش أفكر: كيف أصبح اليوم الأربعاء وكان الثلاثاء قبل عشر دقائق؟ لا بد أن شيئًا جوهريًا حدث، لكن لا شيء. كانت فقط أذرع الساعة قد تحركت. في تلك الليلة، علمت أن منتصف الليل مشابه لمنتصف النهار، لكن الفارق هو الساعات والأيام. بعد عشر سنوات، شعرت بشيء مشابه في رأس السنة 2000. كنت مشككًا في الأيام والساعات. توصلت إلى أنك تستطيع استبدال الأيام دون تأثير. كشخص وسواسي، فكرت كثيرًا وعملت تقويمًا خاصًا. لم أحب فكرة الأسبوع بسبعة أيام، ولا علاقة الأسابيع بالشهور.
في رأس السنة 2000، بينما العالم يحتفل، كنت أدرس الرياضيات. نظرت من نافذة صالون جدتي المطل على دمشق. السماء كانت سوداء نقية، لوني المفضل. النجوم تشع، والقمر غير مهتم بتغيير التقويم. لا شيء في السماء يهتم بالجنون على الأرض. من نافذة جدتي، كل شيء بدا عاديًا. هذا أعطاني فكرة أنه لا توجد سنوات كما لا توجد أيام. لا قوة خارقة تهتم بهذه الأمور. العالم لن ينتهي في رأس السنة كما قالت الشائعات. كنت ناقدًا لهذه الشائعات. جادلت: ألم نمر بسنة 1000؟ ما الفرق بسنة 2000؟ لو كان العالم سيتوقف، لتوقف في 1000. لماذا 2000 وليس 3000 أو 10000؟ حاولت إقناع إخوتي وزملائي، لكن لا أتذكر نسبة نجاحي.
أتذكر أول ليلة لم أنم فيها. بنيت جهاز كمبيوتر لقريب، وأمضيت الليلة أبرمجه. تعلمت أمرين: أستطيع البقاء نشيطًا طوال الليل، والليالي مبهرة لأنها تعطيك أكثر من الاستلقاء على الفراش. بعض السذج يقولون أنت تستطيع السقوط في الحب من اول نظره, حسنا, انا سقطت في حب الليل من أول تجربة. الهواء أنقى ليلاً، المدن القبيحة أجمل، الشوارع فارغة، الأحياء ساكنة. تسمع الصراصير والضفادع. شروق الشمس أعظم من غروبها. النوم نهارًا يقلل تواصلك مع البشر، وهذا أفضل بالنسبة لي. لذا الأمر يأتي تباعا، الموت هو الأفضل.
لدي مشاعر مختلطة حول طريقة الانتحار. أردت دائمًا انتحارًا أخلاقيًا وبأقل ألم وضرر. هذا قيد اختياراتي وأدى إلى فشل. مؤخرًا، كنت قريبًا من تحقيق حلمي. في يوم، ظهر الله، ووضعني وجهًا لوجه مع بائع أسلحة في السوق السوداء. عقدت الصفقة وطلبت المسدس الذي حلمت به. رغم أنني لا أدخن، دخنت سيجارة ماريجوانا احتفالًا. بعد سنوات، حلمي سيتحقق. لكن الشيطان ظهر، وأرسل الشرطة. قبضوا على البائع، وعدت إلى البيت ألعن الله والشيطان.
كنت أكثر إنسان خائب على الأرض ذلك اليوم. لم أجد طريقة لإنهاء حياتي في البيت. أعتذر عن أي إزعاج أو صدمة تسببت بها لأي شخص. لكن هناك ثلاثة أشياء جيدة: الأولى، الرموز (الشيطان والله) في تلك الحادثة. الثانية، سأصمم موتي بطريقة فريدة كما صممت حياتي. سأبتكر وسيلة إعدامي كما ابتكرت كل شيء في حياتي. هذا رائع وممتع. الثالثة، ربما يجذب انتحاري الانتباه، وقد يقلده آخرون، مما قد يغير حياة البعض ليعيشوا بشكل أفضل. إذا حدث ذلك، أتمنى أن تكون وسيلتي إيجابية.
أعتذر بجدية لمن أثرت عليهم سلبًا. لم أكتب هنا منذ ليالٍ. الليلة، نمت 90 دقيقة فقط، و أيقظتني شياطيني الداخلية. يحاولون غزو عقلي واقناعي بإطفائه. أريد إطفاءه، لكن الصباح قد أتى، وعلي الانتظار يومًا "خرا" آخر، أصارع شياطيني. لا تعلمون كم هذا مؤلم. لدي شخصان إضافيان في رأسي، ولدت معهما، وأحيانًا يجلبون أصدقاءهم. هم أنا قانونيًا، لكنني لست أحدهم، أنا متفرج. أحدهم يحاول إقناعي بعدم إضاعة إمكانياتي البشرية، يدعم حججه بالاطنان من التعليقات ورسائل أتلقاها. يدعي أن استثماري سيمنحني حياة جيدة، أنني سأحصد ثمار جهدي. يقول: "اهدأ، ليس لديك ما تخسره." أرى من أين يأتي، لكنني لست أعمى. لكنه أغفل شيئًا: علي الانتظار. هو محق أنني لا أخسر شيئًا، لكنه مخطئ أن حياتي لن تسوء أكثر. مع علمي بحظي السيء، أخاف من شيء يمنعني من الانتحار. ماذا لو أصبحت أعمى؟ هل أغامر بالشلل أو أنتظر المسيح (بمعنى المخلص) ؟ لست خائفًا من الموت، لكنني مرتعب من عدم القدرة على الموت. هذا التناقض بين استثماري في إمكانياتي وواقعي يضعفني. أتذكر مقولة زوربا: "على الرجل أن يفعل ما على الرجل أن يفعل."
مددت حياتي يومًا واحدًا. هل سيكون هذا آخر يوم؟ هل سأفصل دماغي الليلة القادمة؟ هل سيطيل محتواي هذه المعركة؟ لا أعلم، ولا أحد يعلم، ولا حتى الله، لأنه غير موجود.
تذكروا: الكراهية لن تجلب المحبة، والحرب لن تجلب السلام. اجعلوا فلسفة السعادة هدفكم.
حظًا سعيدًا،
ديفيد رجل الكهف.
7 أكتوبر 2020
مدينة إوسترسوند .
في الأسفل, الرسالة الأصلية التي كتبها ونشرها ديفيد على منصة Academia.edu